الشيخ محمد مكي نصر الجريسي

47

نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن

الصفة الأولى : الجهر : ومعناه لغة : الإعلان والإظهار ، وفي القول : إعلاء الصوت به ، واصطلاحا : انحباس جري النفس عند النطق بالحرف لقوّته وذلك من قوّة الاعتماد على مخرجه . وحروفه تسعة عشر حرفا جمعها بعضهم في كلمات وهي ( عظم وزن قارئ ذي غض جدّ طلب ) أي رجح ميزان قارئ ذي غض للبصر اجتهد في الطلب . قال المرعشي : وهذه الحروف لقوّتها في نفسها وقوة الاعتماد عليها في موضع خروجها لا تخرج إلا بصوت قوي شديد تمنع النفس من الجري معها ، وبهذا الاعتبار سميت مجهورة ، وهي ما عدا حروف الهمس الآتي ذكرها ، وبعضها أقوى من بعض في الجهر على قدر ما في الحرف من صفات القوّة ؛ فالطاء أقوى من الدال ، وإن اشتركتا في قوّة الجهر ؛ لانفراد الطاء بالإطباق والاستعلاء والتفخيم . وسيأتي بيان ذلك في محله . الصفة الثانية : الهمس : ومعناه لغة : الخفاء ومنه قوله تعالى : فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً [ طه : الآية 108 ] أي صوتا خفيّا ، والمراد به في الآية حسّ مشي الأقدام إلى المحشر . واصطلاحا : جريان النفس عند النطق بالحرف لضعفه ، وذلك من ضعف الاعتماد على مخرجه . وحروفه عشرة يجمعها قولك ( فحثه شخص سكت ) ، وبعض هذه الحروف أضعف من بعض في الهمس ؛ فالصاد المهملة والخاء المعجمة أقوى من غيرهما ؛ لأن في الصاد إطباقا واستعلاء وصفيرا ، وكلها من صفات القوّة ، وفي الخاء استعلاء . والكاف والتاء المثناة فوق أقوى من باقي الحروف غير الصاد والخاء ؛ لما فيهما من الشدة ، وهي من صفات القوة أيضا . وأضعف الحروف المهموسة : الهاء والفاء والحاء والثاء المثلثة ؛ إذ ليس فيهن صفة قوّة ، بل أضعفها الهاء ؛ إذ في الفاء والحاء والثاء صفة الظهور الذي هو ضد الخفاء ، وهو من صفات القوة ، لكن لم يوضع له اسم في هذا الفن [ اه . مرعشي في حاشيته ] . قال ابن الجزري في التمهيد : الحروف الخفيّة أربعة : الهاء ، وحروف المدّ واللين ؛ سميت بالخفية لأنها تخفى في اللفظ إذا اندرجت بعد حرف قبلها ، ولخفاء الهاء قوّوها بالصلة اه . تنبيه : اعلم أن جري النفس وعدم جريه عند تحريك الحرف أبين منهما عند إسكانه ، ويمثّل للمجهورة بقق ، وللمهموسة بكك ؛ فإنك تجد النفس في الأول محصورا وفي الثاني جاريا ؛ وإنما مثّلوا بهذين المثالين إيذانا بأن تباين القسمين إذا ظهر في الحرفين المتقاربين مخرجا وهما القاف والكاف كان ظهوره مع المتباعدين أكثر ، وتحقيق الفرق هنا ما قاله الملا علي « أن نفس الحرف إن تكيّف كله بكيفية الصوت حتى حصل